الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
262
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فاعل جاءَ الركب المعهود في إرسال هدايا أمثال الملوك . وقد أبى سليمان قبول الهدية لأن الملكة أرسلتها بعد بلوغ كتابه ولعلها سكتت عن الجواب عما تضمنه كتابه من قوله : وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [ النمل : 31 ] فتبيّن له قصدها من الهدية أن تصرفه عن محاولة ما تضمنه الكتاب ، فكانت الهدية رشوة لتصرفه عن بثّ سلطانه على مملكة سبأ . والخطاب في أَ تُمِدُّونَنِ لوفد الهدية لقصد تبليغه إلى الملكة لأن خطاب الرسل إنما يقصد به من أرسلهم فيما يرجع إلى الغرض المرسل فيه . والاستفهام إنكاري لأن حال إرسال الهدية والسكوت عن الجواب يقتضي محاولة صرف سليمان عن طلب ما طلبه بما بذل له من المال ، فيقتضي أنهم يحسبونه محتاجا إلى مثل ذلك المال فيقتنع بما وجّه إليه . ويظهر أن الهدية كانت ذهبا ومالا . وقرأ الجمهور : أَ تُمِدُّونَنِ بنونين . وقرأه حمزة وخلف بنون واحدة مشدّدة بالإدغام . والفاء لتفريع الكلام الذي بعدها على الإنكار السابق ، أي أنكرت عليكم ظنكم فرحي بما وجهتم إليّ لأنّ ما أعطاني اللّه خير مما أعطاكم ، أي هو أفضل منه في صفات الأموال من نفاسة ووفرة . وسوق التعليل يشعر بأنه علم أن الملكة لا تعلم أن لدى سليمان من الأموال ما هو خير مما لديها ، لأنه لو كان يظن أنها تعلم ذلك لما احتاج إلى التفريع . وهذا من أسرار الفرق في الكلام البليغ بين الواو والفاء في هذه الجملة فلو قال : وما آتاني اللّه خير مما آتاكم ، لكان مشعرا بأنها تعلم ذلك لأن الواو تكون واو الحال . و بَلْ للإضراب الانتقالي وهو انتقال من إنكاره عليهم إمداده بمال إلى رد ذلك المال وإرجاعه إليهم . وإضافة بِهَدِيَّتِكُمْ تشبيه ؛ تحتمل أن تكون من إضافة الشيء إلى ما هو في معنى المفعول ، أي بما تهدونه . ويجوز أن يكون شبيهة بالإضافة إلى ما هو في معنى المفعول ، أي بما يهدى إليكم . والخبر استعمل كناية عن رد الهدية للمهدي . ومعنى : تَفْرَحُونَ يجوز أن يكون تسرّون ، ويجوز أن يكون تفتخرون ، أي أنتم